ترى الكاتبة مويرا دونيجان أن حالة الضعف السياسي التي يعيشها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تدفعه إلى اتخاذ خطوات أكثر خطورة في السياسة الخارجية، خصوصًا في ما يتعلق بالحرب ضد إيران، إذ قد يلجأ إلى التصعيد العسكري لتعويض أزماته الداخلية وتراجع شعبيته.


وينشر موقع الجارديان هذا التحليل الذي يقارن بين الطريقة التي روّجت بها إدارة جورج بوش لحرب العراق عام 2003 وبين النهج الحالي لإدارة ترامب، حيث تراجع الخطاب الرسمي الموجَّه للرأي العام واختفى تقريبًا أي نقاش سياسي علني يبرر اللجوء إلى الحرب.


اختلاف تبرير الحروب بين الماضي والحاضر

 


قاد أعضاء إدارة جورج دبليو بوش قبل غزو العراق عام 2003 حملة سياسية وإعلامية واسعة لتبرير الحرب. فقد كتبت مستشارة الأمن القومي آنذاك كوندوليزا رايس مقالًا في صحيفة نيويورك تايمز زعمت فيه أن العراق يخفي برنامجًا لأسلحة الدمار الشامل.


كما عرض وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي قارورة صغيرة قال إنها تمثل مادة الأنثراكس، ليؤكد مزاعم امتلاك العراق أسلحة كيميائية خطيرة. وخاطب الرئيس بوش الشعب الأمريكي مرارًا لتبرير قرار الحرب.


لاحقًا تبيّن أن تلك الادعاءات لم تستند إلى حقائق، لكن تلك الرواية خدمت هدفًا سياسيًا مهمًا، إذ حاولت الإدارة الأمريكية إقناع الرأي العام بأن قرار الحرب يخضع لنقاش سياسي وأن للشعب دورًا في تحديد مصير بلاده.
أما في الصراع الحالي مع إيران، فتسلك إدارة ترامب مسارًا مختلفًا تمامًا. أطلقت الإدارة الحرب دون محاولة منظمة لإقناع الأمريكيين بضرورة هذه الخطوة، كما لم تسع للحصول على موافقة الكونغرس التي يفرضها الدستور.


وأطلقت وزارة الدفاع على العملية اسم “الغضب الملحمي”، بينما تعددت الروايات الرسمية حول أسباب الحرب. فمرة تصف الإدارة الضربات بأنها رد على عدوان إيراني، ومرة تطرحها كوسيلة لوقف البرنامج النووي الإيراني، وأحيانًا تقدمها باعتبارها دفاعًا عن النفس أو مجرد خطوة فرضتها خطط إسرائيل للحرب.


كما ذهب بعض حلفاء الإدارة إلى الادعاء بأن الولايات المتحدة تخوض حربًا مع إيران منذ نحو 47 عامًا، وهو خطاب يذكّر بشعار النظام الشمولي في رواية جورج أورويل 1984 الذي يكرر أن بلاده كانت دائمًا في حالة حرب.


حرب خارجية لتغطية أزمة داخلية

 


ترى الكاتبة أن السبب الحقيقي وراء هذا الغموض في تبرير الحرب يعود إلى حقيقة سياسية غير مريحة لترامب: استخدام الحرب كوسيلة لصرف الانتباه عن أزماته الداخلية.


يدخل ترامب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 وسط تراجع واضح في شعبيته. فقد ظلت معدلات تأييده منخفضة لأكثر من عام، ولم تنجح الحرب ضد إيران حتى الآن في خلق موجة دعم وطني حول قيادته.


ويواجه ترامب مفارقة سياسية شائعة لدى الأنظمة السلطوية، إذ تعتمد القدرة على فرض السلطة في النهاية على وجود قدر من التأييد الشعبي. لكن الرئيس الأمريكي يفتقر إلى هذا الدعم الكافي لتثبيت نفوذه السياسي.


ويزداد هذا الضعف مع تدهور الوضع الاقتصادي. فقد استند فوز ترامب في انتخابات 2024 جزئيًا إلى موجة عالمية من السخط الشعبي على النخب السياسية وإلى مخاوف اقتصادية تتعلق بالتضخم وسوق العمل.


لكن بعد أكثر من عام على عودته إلى السلطة، بدأت المؤشرات الاقتصادية في التراجع. فقد أظهر تقرير حديث لمكتب إحصاءات العمل أن الاقتصاد الأمريكي فقد نحو 92 ألف وظيفة في فبراير، كما خفضت الحكومة تقديرات الوظائف للأشهر السابقة.


ولا تبدو المؤشرات الاقتصادية مرشحة للتحسن قريبًا، خصوصًا بعد قرار ترامب شن الحرب على إيران. فقد يؤدي ارتفاع أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز إلى زيادة التضخم ورفع تكاليف الإنتاج، كما قد يدفع الشركات إلى تقليل التوظيف بسبب حالة عدم اليقين.


أزمات سياسية وصراعات داخل الإدارة

 


تواجه إدارة ترامب أيضًا سلسلة من الأزمات السياسية الداخلية. فقد أثارت عمليات قتل نفذها عناصر الهجرة في مدينة مينيابوليس غضبًا واسعًا، ما دفع الديمقراطيين إلى الضغط لفرض قيود على وزارة الأمن الداخلي.


وفي خضم هذه الأزمة أقال ترامب وزير الأمن الداخلي بعد تصاعد الانتقادات لسياسات الوزارة.


كما أثارت سياسة “الترحيل الجماعي” التي وعد بها ترامب خلال حملته الانتخابية جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة. فقد أدت تلك السياسة إلى مشاهد قاسية أثارت غضب الرأي العام، حتى إن بعض السياسيين الجمهوريين بدأوا يعارضون إنشاء مراكز احتجاز كبيرة للمهاجرين داخل دوائرهم الانتخابية.


وتدرك حملة الحزب الجمهوري هذه المشكلة، لذلك نصح البيت الأبيض بعض المرشحين الجمهوريين بالتقليل من التركيز على قضية الترحيل الجماعي خلال الحملات الانتخابية المقبلة.


وتكشف الصراعات داخل معسكر ترامب عن توترات متزايدة بين حلفائه. فقد شهدت الإدارة منافسات داخلية على النفوذ بين مسؤولين كبار، بينما أثارت تصرفات بعض المسؤولين جدلًا داخل المؤسسات الحكومية.


وفي السياسة الخارجية أثارت مغامرات ترامب في فنزويلا وإيران انقسامًا داخل التيار المحافظ. فقد رحب المحافظون التقليديون بهذه السياسات، بينما انتقدها إعلاميون من اليمين الشعبوي الذين يرفضون التدخلات العسكرية الخارجية.


وتزداد الصورة تعقيدًا مع ضعف موقع نائب الرئيس جي دي فانس داخل الإدارة، حيث تشير تقارير إلى استبعاده من بعض القرارات المهمة المتعلقة بالسياسة الخارجية.


في هذا السياق ترى مويرا دونيجان أن ضعف ترامب السياسي قد يدفعه إلى استخدام القوة العسكرية خارج البلاد باعتبارها أحد الخيارات القليلة المتاحة له. فكثير من القادة الذين واجهوا أزمات داخلية اعتقدوا أن حربًا خارجية سريعة قد تعيد توحيد الدعم الشعبي حولهم، لكن التاريخ يوضح أن هذه الرهانات غالبًا ما تنتهي بنتائج عكسية.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/mar/13/trump-iran-weakness